المحاسبة عبر العصور
:نشر الساعة 03:17 م بتاريخ 02/11/2006 الكاتب: المهتد
وحدة النقد -مقياس الأشياء المادية التي تباع وتشترى-ليست وليدة عصرنا الحالي بل هي قديمة قدم المحاسبة ذاتها ، فلقد عرف قدامى المصريون النقود حيث قال تعالى:" وشروه بثمن بخس دراهم معدودة"وهذه آية كريمة تدلنا على استخدام النقد مثل الدرهم كمقياس لشراء ماله قيمة ، ويوسف الصديق القادم من بلاد الشام ضرب لنا مثلا في العقل الخسابي الذي يرتب امور دولته بما ينفع حاضرها ومستقبلها في مصر القديمة حيث أنه قدم مشورة إقتصادية للملك حيث قال تعالى على لسان يوسف الصديق -عليه السلام-:"فما حصدتم فذروه في سنبله إلا قليلا مما تأكلون" أي أنفقوا حاجتكم في وقتكم وادخروا لآجلكم مما ينعكس ايجابا عليكم وهذا دليل أن مصر القديمة عرفت الموازنات التقديرية بشكلها البسيط والشفهي كما ذكر آنفا .ولقد عرف الروم كذلك النقود بشكلها الورقي حيث قال تعالى على لسان أحد فتية الكهف المؤمنون :" فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه " أي بما نملك من نقد نشتري أفضل شيء يؤكل وهذا مثال على المفاضلة الإقتصادية من بين الخيارات المتعددة الصالحة للإستهلاك تبعا لقيمها ومقاييسها توافقا مع متطلبات الحاجات .وطور المسلمون بعد الفتح المدني المعنون بالهجرة النبوية الشريفة نظام اقتصادهم بشكل كبير مستفيدين من أراضي المدينة المنورة زراعة ومن مهارات المسلمون المهاجرون في فن الإستصناع معتمدين على توجيهات صاحب المقام العالي المصطفوي النبي محمد (ص) وكذلك على أصول الدين الإسلامي الشامل لكل مناحي الحياة استنادا للقرآن العظيم روح الإسلام الدائم ، فعندما يقول لهم ربهم " وأحل الله البيع" يدفعهم ذلك إلى بناء الأرض ضمن طاقاتهم عمارة اقتصادية وخلافة سياسية قائمة على العدالة المطلقة وعندما يقول لهم ربهم تعالى "وحرم الربا" تجدهم يهدمون اساسات اقتصاد الجاهلية الضعيفة الأركان القائمة على حكم الغالب القوي لا على حكم العادل القضاء .ولقد رفع الخلفاء الراشدون شعار محاسبي قويم من أجل استمرار العدالة الإنسانية وهو نظام "المقاسمة" والذي يعني (من أين لك هذا) سؤالا محاسبيا لمساءلة ومحاسبة الولاة أوالجباة بأخذ نصف ثروتهم عند انتهاء ولايتهم إذا تبين يقينيا أن رواتبهم قيمتها العادلة لا تسمح لهم بجمع مثلها وعلى هذا رد معاوية نصف الثروة التي جمعها إلى بيت المال ، وهذا ما استفاد منه النظام الشيوعي في القرن الماضي من خلال دور المدعي العام الإشتراكي الذي يسائل رجالات الدولة عن مصادر أموالهم .والزكاة كرافد لموازنة الدولة في الإسلام منأجل تقليص الهوة بين الأغنياء من أصحار رؤوس الأموال وبين الفقراء المعدمون أو بالكاد ينفقون مما يملكون ، هي تطور للحساب في الحضارة الإسلامية فصّل خيثياتها الرسول الأكرم ، والتطبيق المحاسبي للزكاة على نظرية "الميزانية" يمكن حسابها بمقارنة المركز المالي لمشروع خاضع للزكاة بين تارخين متتاليين لقياس ربح الفترة كما يحسب الجابي أو الدافع من الميزانية رأس المال العامل أو الفترة والتغيرات في الأصول وأرباح الفترة وقياس رأس المال النامي آخر الفترة . ويحسب وعاء الزكاة ( في العلاقة الشرعية) = الأصول المتداولة - الخصوم المتداولة
ويستخرج وعاء الزكاة كما يلي: وعاء الزكاة = رأس المال العامل أول الفترة + (زيادة الأصول المتداولة_ النقص في الخصوم المتداولة) - (زيادة الخصوم المتداولة + نقص الأصول المتداولة)
وحسبة الزكاة هي حساب يقوم على مبدأ العد أي الحساب ومن ذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم :" احتسبوا أ‘مالكم ، فإن من احتسب عمله له أجر عمله وأجر حسبته" فالحساب يعبر عن علاقة من عنصر أو جانب واحد أما المحاسبة فإنها علاقة بين عنصرين أحدهما مدين والآخر دائن . وقد ظهرت المحاسبة من علم الحساب المعروف ، وحيثما اتفق فإن الزكاة كفريضة عبادة توسع التيار النقدي وتدعم الدورة النقدية وتحقق تناسب بين التيار السلعي والتيار النقدي في المجتمع الذي يطبقها بعدالة . والمحاسبة كنظام مكون من وثائق تحمل بيانات وأدوات معالجة للبيانات وتعيد تركيبها وتحليلها بالإنسان المدير للوصول لمعلومات ملاءمة تساعد في دعم قرارات مالية وإستثمارية وإدارية تكتيكية أو استراتيجية . فمن مائة عام ماضية بعد الثورة الصناعية في أوروبا وبالتحديد الثورة الفرنسية تطورت المحاسبة لحاجة الناس في الإلتزام بالدفع والإستحقاق ومما ساعد في تطور المحاسبة هو ثورة المعلومات التي تلت الثورة الصناعية مما جعل المحاسبة تدخل منعطفا هاما في علوم شتى في الحياة كالطب تسجيلا للمستحقات وفي الهندسة إدارة للحسابات وفي الحكومة في تنظيم الخدمات العامة فسميت المحاسبة الحكومية وهي لا شك جوهر الإقتصاد السياسي في الجمع والتوزيع المالي . تلازم الثورة الصناعية والمعلوماتية ساهم في تطوير المحاسبة لتصبح نظام معلومات يوضح انسياب المعلومات خلال الدورة المحاسبية من الألف للياء وتتكامل التفصيلات النظامية بدقة ، حيث أن النظام المحاسبي الدقيق هو الذي تقل فيه الأخطاء كفاءة وتنجز فيه المعاملات بسرعة فعالة ، وبحيث يتم به الإفصاح لخدمة الجمهور مستثمرين ومستخدمين والحكومة رقابة وتنظيما . وفي آخر القرن الماضي توسع انتشار خدمة الشبكة المعرفية -الإنترنت- من واشنطن لتعمل على تقليل الفجوة بين الأمم وتساعد على نشوء التكلات المجتمعية الإقتصادية القائمة على الشركات مما جعل دور المحاسب ينتقل من الدور القياسي والتحليلي والتدقيقي إلى أن يصبح المحاسب قيادي وإداري يتخذ القرارات حيث أن سرعة اتخاذ القرارات في عالم متسارع ضرورة زاد من التحدي أمام المحاسب ليصبح متخذا للقرار نيابة عن الإدارة العليا بما فيه مصلحة العمل في المنشأة ، وأكثر من ذلك برز دور المحاسب ليجد فرصته ليكون مالكا بنسبة من شأنها أن تضاعف ولاءاته للمنشأة العامل بها . فعلم المحاسبة إذن تطور عبر التاريخ من حسبة تقليدية تسمى الحساب إلى محاسبة تقليدية تعتمد في كليتها على مستندات ورقية ويوميات ودفاتر استاذ إلى نظام معلوماتي متكامل ومتصل مع أنظمة المنشأة الأخرى مستفادا من تكنولوجيا المعلومات ، أقول انتقل ذلك النظام المحاسبي التقليدي والمحوسب إلى المحاسب الإلكترونية -محاسبة عن بعد- تعتمد على شبكات مغلقة ومفتوحة كالإنترنت حيث إن انعدم وجود المنشأة ماديا فإن المحاسبة تبقى معرفيا بما يكفل استمرارية المنشأة قانونيا ، وستلعب الحكومة الإلكترونية ونظام معلوماتها الحكومي المتطور في الدول السبّاقة دورا بارزا في تنظيم الأعمال الإلكترونية والتجارة الإلكترونية قانونيا في ميدان المجتمع المعرفة عبر الشبكات المعلوماتية التقنية المغلقة على مؤسساتها المشتركة أو عبر فضاء الإنترنت المفتوح على المستوى الدولي في العالم

|